أذكى لاعب في العالم!

أن تعتزل وأنت في القمة فهذا شيء غريب، خصوصا في أوساطنا العربية، كل شخص سواء كان لاعبا أو مدربا أو موظفا في أي مجال يستمر في مكانه حتى آخر قطرة ممكنة، هذه هي سنة الحياة وفق منظورنا، لا نهاية ما دامت “السبوبة” تحكمنا، وحده فيليب لام قائد بايرن يفكر بطريقة مغايرة، إنه الفارس الذي ترجل عن جواده وهو في قمة عطائه، ليقرر الاعتزال نهائيا وترك كرة القدم بلا رجعة بعد الموسم الحالي.

لام أحد القلائل الذين فازوا بكل شيء رفقة فريقهم ومنتخب بلادهم باستثناء بطولة اليورو، وقدم مستوى استثنائي طوال مسيرته الكروية، من ظهير أيسر إلى نجم أسطوري على اليمين دفاعا وهجوما، ثم شغله كافة مراكز الوسط أثناء حقبة غوارديولا ولوف، لدرجة لعبه كصانع لعب هجومي حقيقي خلال أكثر من مباراة للبافاري، ليقدم نفسه كجوكر يستطيع ملأ كافة الفراغات بالكرة ومن دونها، حقا نحن أمام ظاهرة تكتيكية تأتي مرة واحدة كل سنوات طويلة.

هناك مصطلح يعرف باسم “السرعة الذكية”، يستخدمه بعض المدربين للتعبير عن العالم الخفي للتكتيك، فأسماء مثل فيليب لام وإنيستا وبيرلو، أقل قدرة على الركض والعدو المستمر، لكنهم يتفوقون بكل سهولة على منافسيهم أصحاب الاندفاع البدني الكبير.

قرأت الكثير من عبارات المديح عن فيليب لام بعد إعلان اعتزاله نهاية الموسم، لكن وجدت نفسي أسير رائعة مارتي بيرارنو الأخيرة، الصحفي المقرب من بيب غوارديولا والذي عاش مع فريق بايرن تفاصيل مجهولة طيلة ثلاث سنوات، ليتحدث هذا الكاتب على لسان الفيلسوف ويخبرنا بأسرار تُكشف لأول مرة عن إمكانية نجاح هذا القائد فيما بعد كمدرب، ليس فقط لتكرار تجربة من سبقوه، ولكن لفهمه الكرة بأسلوب مكتمل.

هناك مصطلح يعرف باسم “السرعة الذكية”، يستخدمه بعض المدربين للتعبير عن العالم الخفي للتكتيك، فأسماء مثل فيليب لام وإنيستا وبيرلو، أقل قدرة على الركض والعدو المستمر، لكنهم يتفوقون بكل سهولة على منافسيهم أصحاب الاندفاع البدني الكبير، السر في الخبث الكروي الذي يجعلهم يتوقعون كل لعبة قبل حدوثها، في النهاية هذه القماشة هي من تجلب البطولات الكبيرة وليس فقط الانتصارات الصغيرة.

أمثال لام يحبهم الزملاء بشدة، لأنه يوفر لهم الوقت الكافي والمساحة الكبيرة من أجل استلام الكرة بتمريرته، هذا ما يعرف بسرعة الاعتقاد أو التفكير. يتخذ الكابتن قراره التالي بعد أول تمريرة إلى رفيقه، يعرف أين سيقف وكيف يتمركز، لذلك تجده في مكان أفضل للحصول على الكرة الثانية، أو كسر الهجمة المرتدة قبل أن تمر من نصف ملعب فريقه، أو حتى الوقوف في منطقة خطيرة لخلق زوايا تمرير أكبر، وبالتالي فإن لام يتفوق في أغلب الصراعات، رغم أنه ليس أسرع لاعب أو حتى أفضل منافس في 1 ضد 1، فتش عن قوة العقلية ودورها في ترجيح كفته خلال أي مواجهة.

يقول بيب عن لام في الغرف المغلقة، هذا اللاعب يشبه عناصر الخبرة في الدول الكبيرة، المستشارون الذين يديرون كل شيء رغم خروجهم على المعاش. وفي كرة القدم أيضا هناك من يؤدي هذا الدور، إنهم المجموعة التي تتألق بعد الثلاثين، وتتكيف مع الظروف المعاكسة بدهاء، لذلك استطاع لام تطوير نفسه بعد دخوله هذا العمر، ذلك لأنه يفهم كل كبيرة وصغيرة في اللعبة بشكل جيد؟

قبل إحدى مباريات بايرن ميونخ ودورتموند، درس الجهاز الفني للبافاري خصمهم جيدا، وأيقنوا أن توماس توخيل سيلعب بمزيج بين 5-3-2 و 5-2-2-1 في المباريات الكبيرة، لذلك عملت المجموعة بالكامل على وضع استراتيجيات مختلفة لمواجهة هذه التركيبة المرعبة هجوميا، وكان فيليب لام هو الدينامو المحرك لفريقه طوال أحداث هذا اللقاء الشيق خططيا.

بدأ بروسيا بخطة 5-3-2، لعب بايرن في المقابل بثلاثي صريح في الخلف، مع لام كلاعب ارتكاز في عمق الملعب، وبعد تحول الفريق الأصفر إلى 4-2-3-1، تحول القائد سريعا إلى الظهير الأيمن ليواجه هجمات الخصم من الأطراف، ولم يستسلم توخيل كعادته ليراهن في الدقائق الأخيرة على رسم قريب من 3-4-2-1، وقتها دخل لام وألابا إلى قلب الوسط بجوار فيدال، لغلق الفراغات في وبين الخطوط أمام الدفاع. فعل لام كل هذه الأدوار خلال 90 دقيقة، وأحيانا دون توجيه من المدرب، لأنه يعرف جيدا هذه اللعبة.

ومن ضمن الخبايا التي لا يعرفها الكثيرون عن فيليب لام، قصة أخرى ترتبط بمباراة بايرن وبروسيا في أكتوبر 2015، وقت أن تلقى توخيل هزيمة قاسية بنتيجة خمسة أهداف مقابل هدف في الأليانز أرينا. خلال هذه الفترة، دخل الفريق الضيف المباراة بتكتيك قريب من 4-3-2-1، ضغط قوي في كل مكان بنصف ملعب بايرن كما تقول التشكيلة. عرف لاعبو بايرن قائمة دورتموند قبل المباراة بساعة، تفاعل لام سريعا مع المفاجأة غير المتوقعة، ودخل سريعا لغرفة غوارديولا.

عرف لاعبو بايرن قائمة دورتموند قبل المباراة بساعة، تفاعل لام سريعا مع المفاجأة غير المتوقعة، ودخل سريعا لغرفة غوارديولا ليخطط من جديد ماذا سوف يفعل.

أخبر القائد مدربه سريعا بتشكيلة الخصم، وأنهم سيلعبون بأسلوب مغاير عن المعتاد، وقبل أن يجاوب الآخر، بادر الطارق سريعا بالقول، يجب أن نفتح الملعب عرضيا، ونلعب كرات طولية خلف دفاعهم المتقدم. “إجمع بواتينغ، ألونسو، وتياغو سريعا هنا”، هكذا تعامل بيب مع حديث لام، دقائق وجلس هؤلاء في غرفة مغلقة، ليبدأ لام بالتبادل مع المدير الفني رصد أهم التغيرات التي ستحدث على الخطة، ليفهمها الحضور جيدا ويلعب الدفاع كرات طولية بالجملة، ويفوز بايرن خلال هذه المباراة بالخمسة. بكل تأكيد الجميع نسب هذا الإنجاز للفريق ككل، وربما بعض المحللين شكروا غوارديولا، لكن البطل الحقيقي لهذا النجاح هو فيليب لام، أذكى لاعب في العالم.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five × 2 =